Skip to Content

الطريق إلى البرمجيات الحرة

DesertFox's picture

الطريق إلى البرمجيات الحرة
ملاحظة: لتحميل المقالة كاملةً بصيغة PDF
يرجى الضغط على الرابط التالي


المقدمة

هذه المقالة تتناول ثقافة و فلسفة البرمجيات الحرة و تعرض مجمل أسبابها و مزاياها عن البرمجيات غير الحرة، و تأثيرها على المجتمع و تحويله إلى مجتمع حر بدون قيود، بعد ذلك تسلط الضوء على أكثر البرمجيات الحرة بروزاً و تألقاً، ألا و هو نظام التشغيل الحر لينوكس (Linux)، التطرق إلى معلومات تقنية سوف تكون على أدنى مستوى بقدر الإمكان حتى يستطيع كل القراء (مهما كان إلمامهم بالحاسبات ضعيف) فهم و استيعاب ما سوف يرد من تفاصيل، الهدف من ذلك هو إعطاء مقدمة أولية حول البرمجيات الحرة للراغبين بالإطلاع على عالم الحرية في الحوسبة و التعرف على الإبداعات الكامنة فيه و الغوص في فلسفتها، في هذه المقدمة سنتعرف على حرية البرمجيات في منتصف القرن الماضي بصورة مختصرة.

عند مطلع عصر أجهزة الكومبيوتر أثناء خمسينيات و ستينيات القرن المنصرم كانت توزع كل البرامج تقريباً و تستخدم و يعدل عليها من قبل الأكاديميين و الباحثين بتعاون و بصورة تكافلية، كانت تستخدم أنظمة التشغيل و تصان من قبل مجموعة من المستخدمين الذين كانوا يقومون بالتعديل والتطوير على تلك الأنظمة بصورة مستمرة، و كانت الشفرة المصدرية -و هي نسق البرنامج الذي يمكن للمبرمج فهمه و التعديل عليه من أجل إحداث تغيير في البرنامج نفسه- توزع في تلك المدة جنباً إلى جنب مع البرنامج نفسه كي يتمكن المستخدم من التعديل عليه بصورة مستمرة من أجل تصحيح بعض الأخطاء البرمجية أو إضافة مزايا و وظائف جديدة لتلك البرامج.

في نهاية تلك الحقبة كان التغيير حتمياً بسبب ارتفاع تكاليف تطوير البرمجيات بصورة متزايدة، وظهور تنافس بين شركات برمجيات نامية و مصنعي الحاسبات الذين كانوا يقدمون برامج مع الأجهزة التي يسوقونها لزبائنهم، و الأجهزة المستأجرة كانت بحاجة إلى دعم برمجي دائم بالرغم من أنه لا يوجد أي مردود مادي للبرمجيات. قسم من الزبائن كانوا قادرين على تلبية احتياجاتهم بأنفسهم و غير محتاجين للبرامج المجهزة مع الحاسبات التي يقوموا بتأجيرها التي قد تضاف تكلفتها على تكلفة الأجهزة نفسها، وقامت موجة من البرمجيات المتوفرة للبيع فقط بالنمو بصورة ملحوظة بالرغم من وجود برمجيات حرة كثيرة دائما.

في مطلع السبعينيات، قامت شركة AT&T بتوزيع نسخ من نظام يونكس (UNIX) على دوائر الحكومة الأمريكية و على الباحثين الأكاديميين و بدون مقابل، لم يكن مسموحاً لمستخدمي هذه النسخ بنشر أو توزيع أي تعديل أو تغيير قاموا به عليها، لذلك تعد تلك الأنظمة غير حرة بالمفهوم الحديث المتداول به الآن. بدأت عدد من الشركات في أواخر السبعينيات و أوائل الثمانينيات و بصورة نمطية بفرض تقييدات على استخدام برامجها و أصبحت مملوكة من قبل تلك الشركات و من خلال استخدام حقوق النشر المحفوظة. قام بيل جيتس في عام 1976 بتصعيد لهجته ضد مجتمع مستخدمي الحاسبات بكتابته رسالته الغاضبة المشهورة بـ"رسالة مفتوحة إلى الهواة"، أوضح فيها لمجتمع مستخدمي الحاسبات حينها إن مفهومهم للتبادل و المشاركة الحرة و المجانية تعني عنده "سرقة" على حد تعبيره، و بدأت شركة AT&T عام 1979 بفرض قيودها على الرخص الممنوحة من قبلها عندما قررت أنه يمكن الربح عن طريق بيع أنظمة يونكس.

ماذا نعني بالبرمجيات الحرة؟

عندما نتكلم عن البرامج الحرة، نعني بذلك حرية استخدام البرنامج و التغيير فيه و توزيعه بالطريقة التي نرغب فيها، تفرض أغلب شركات البرمجيات قيوداً كثيرة على المستخدمين، من ضمنها أنك ترتكب مخالفة قانونية إذا أعطيت نسخة من برنامج معين محفوظ الحقوق إلى جارك أو حتى أخيك، هل تتخيل بأنه يتم القبض عليك و اتهامك بجريمة و تغريمك بسبب تشغيل برنامج ما على جهاز زوجتك! فلذلك لا يمكن لك نسخ برنامج تجاري ما أو تشغيله على جهاز غير جهازك إلا بعد شراء رخصة أخرى أو تفويض من الشركة المجهزة لذلك البرنامج (هذا عموماً يعتمد على ما تنص عليه الرخصة).

بالإضافة إلى ذلك، لو كنت مبرمجاً أو مطوراً، لا تستطيع الحصول على الشفرة المصدرية (Source Code) مع البرامج غير الحرة لغرض عمل تغييرات ملائمة لك أو لتصليح بعض الثغرات أو الأخطاء البرمجية، لذلك لا يعني مصطلح البرامج الحرة في اللغة الإنكليزية (Free Software) بالضرورة أن البرنامج مجاني، و إنما لديك حرية القيام بالتغيير الذي ترغب فيه، حتى لو حصلت عليه مجاناً و من ثم بيعه بمبلغ من المال في بعض الأحيان.

قام ريتشارد ستالمان بتحديد أول تعريف ثابت للبرمجيات الحرة، و ذلك بكتابة أربعة نقاط تمثل تعريف الحرية بين المستخدم و برنامجه عرفت بالحريات الأربع، و تتمثل هذه النقاط بالآتي: 1.الحرية صفر: و تعني تشغيل البرنامج لأي غرض كان. 2.الحرية واحد: تعني دراسة كيفية عمل البرنامج و تعديله ليلائم متطلبات المشغل. 3.الحرية اثنان: و تعني نسخ البرنامج بعد التعديل و إعطائها للمقربين و الأصدقاء. 4.الحرية ثلاثة: و تعني تطوير البرنامج و أصدار النسخة المطور منه إلى المجتمع كافةً كي يستفاد كل الناس منه.
من المهم وجود شفرة مصدرية متاحة كشرط أساسي للحرية واحد و ثلاثة.

و لجعل البرمجيات الحرة محفوظة الحقوق للمجتمع و ذات صفة أو طابع قانوني، تم تحرير عدد من الرخص التي من الممكن أن تتلاءم مع النقاط أعلاه، و من تلك التراخيص نذكر مثلا: GPL و Apache وBSD و غيرها كثير، هذه التراخيص ساعدت البرمجيات الحرة الحفاظ على حقوقها و ديمومتها و منع أي استخدام أو استغلال مسيء لها.

تاريخ مؤسسة البرمجيات الحرة و جنو

مؤسسة البرمجيات الحرة (Free Software Foundation) أو (FSF) اختصاراً انطلقت عندما بدأ مؤسسها ريتشارد ستالمان بمشروع جنو (GNU) الذي يهدف لكتابة و برمجة نظام تشغيل متطور شبيه بيونكس و متوافق معه، ميزته أن يكون حراً و خالٍ من التقييدات التي بدأت بالظهور آنذاك على البرامج، واحدة من دوافعه كانت عدم تمكنه من تشغيل طابعة ليزرية بصورة مستمرة بسبب عيب في التعريفات التشغيلية لديها عندما كان يعمل باحثاً و مبرمجاً في مختبر الذكاء الصناعي في معهد ماساتشوستس التقني (MIT) في صغره، و رفضت الشركة المصنعة زيروكس (Xerox) إعطائه الشفرة المصدرية الخاصة بها لكي يعدل عليها لجعل الآلة الطابعة تعمل بالطريقة التي يرغب فيها، و فوق كل هذا رفضت تلك الشركة إصلاح التعريفات بنفسها.

و بعد ذلك بمدة قصيرة قام بصياغة مصطلح البرمجيات الحرة و تأسيس مؤسسة البرمجيات الحرة عام 1985 لنشر و ترويج الفكرة و المبادئ هذه، بعدها بعام نشر تعريف البرمجيات الحرة التي تضمنت الحريات الأربعة التي ذكرناها في القسم السابق أعلاه، التطوير بنظام جنو كان في البداية بطيء بسبب قلة المبرمجين و المطورين المتطوعين في المشروع، لكن في خلال سنين تم تطوير الكثير من الأدوات التي من الممكن أن تؤسس جزءاً كبيراً و مهماً لأي نظام تشغيل عرفت لاحقاً بأدوات جنو، من ضمنها محرر نصوص متطور (Emacs) و مفسر سطر الأوامر (Bash) و مجموعة مترجمات جنو (GCC) التي كانت في البداية تقوم بترجمة لغة برمجة السي إلى لغة الآلة و غيرها كثير، لكن هذه الأدوات كانت تفتقر إلى نواة نظام التشغيل (kernel) الذي يعد قلب و أساس نظام التشغيل، بدأ بعده تحت اسم هرد (Hurd) لكنه تطور ببطء و ما زال إلى الآن غير مكتمل و تحت التطوير المكثف.

كانت هناك عوامل أخرى لعبت دور في تأخر تطوير نواة النظام أيضاً، منها تخطيط الأعضاء القائمين بالمشروع بالاعتماد على نواة نظام BSD، لكن عدم تعاون مبرمجي جامعة بيركلي في كالفورنيا معهم في هذا الأمر أدى إلى تغيير اهتمامهم إلى نواة أخرى تدعى ماخ (Mach) التي كانت بوقتها تحت التطوير في جامعة (CMU) و تأخر مطوريها بجعلها حرة و مفتوحة المصدر إلى عام 1990، لذلك كان قرار برمجة نواة نظام من الصفر بالإمكان أن يرجع المشروع سنين طويلة إلى الوراء، التصميم الداخلي لنواة هرد تعتبر ثورية لأنها تختلف عن تصميم نواة يونكس التقليدية، تحتوي على عدة خوادم تقوم كل واحدها منها بوظيفة معينة، و لأن نواة ماخ تحتوي على خوادم من المستوى الواطئ، فيجب العمل على تطوير خوادم من المستوى العالي مما يستلزم وقتاً و جهداً كبيراً لإتمام هذا.

في عام 1989 قام ريتشارد ستالمان بإصدار رخصة جنو العامة (General Public License) المشهورة التي كتبها بتجميع عدة رخص موجودة وقتها آنذاك لجعلها رخصة متاحة لكل مشاريع و برامج جنو، نسبة استخدام هذه الرخصة في مشاريع البرامج الحرة المستضافة في موقع SourceForge.net تصل إلى 68%حسب إحصائية في عام 2006، لذلك تعد هذه الرخصة الحرة الأكثر استخداماً في البرامج الحرة والمفتوحة المصدر، و هذا يعزى لحرصها على ضمان حرية البرامج التي تأخذها رخصةً لها و كذلك الحفاظ على حقوق شفرتها المصدرية.

المصادر المفتوحة ضد المغلقة

سنتطرق هنا إلى مقارنة بين البرامج المفتوحة المصدر و المغلقة المصدر و نوضح فوائد و مزايا الأولى عن الأخيرة، في هذا الصدد يجب علينا ذكر أن الشركات أو الجهات التي تنتج برامج مفتوحة المصدر مثل كانونيكال لمتد و موزيلا تؤمن بأن الربح الذي يحصلون عليه من التحسينات و التعديلات في برامجهم التي تأتي من المجتمع أهم و أكبر بكثير من الاحتكار و تقييد حرية المستخدم من اجل زيادة منافستهم التجارية في الأسواق، لذلك فأن هذا المنطلق يأتي عكس ما تؤمن به شركات برمجية تجارية أخرى مثل مايكروسوفت و أدوبي سيستمز ألتان تقومان بإنتاج برامج مغلقة المصدر و غير حرة.

حيث أن هذه الشركات عندما يشتري زبون برنامجاً ما منها و كأنما قام بشراء حق استخدامها فقط، و ليس امتلاكها لأن ملكيتها تعود لتلك الشركة المنتجة فقط و الشفرة المصدرية عندها تعد سر مهنة، بينما الشركات القائمة على البرمجيات الحرة و المفتوحة يأتي ربحها و واردها المادي عن طريق تقديم خدمات الدعم الفني و صيانة لزبائنها و ليس عن طريق بيع البرامج أو بيع شفرتها المصدرية.

بعيداً عن الإتجاه التجاري و من الناحية التقنية، فأن العديد من المستخدمين يفضلون البرامج المفتوحة لعدة أسباب تختلف حسب إلمام الشخص بالبرمجة و تعامله مع الحاسبات، فالمبرمجون والمطورون يفضلون البرامج التي مصادرها مفتوحة لكي تتاح لهم قراءة تلك المصادر و الإطلاع على كيفية عمل هذه البرامج، و الحرية تعطي مجالاً أبعد من هذا بكثير، حيث تتيح للشخص التعديل على الشفرة و إدخال إضافات جديدة و تغييرات عديدة، لهذا السبب فأن غلق الثغرات و تصليح الأخطاء وتطوير البرامج تكون أسرع في البرامج الحرة من البرامج غير الحرة لوجود مجتمع من المبرمجين والمطورين المتعاونين فيما بينهم بصورة تكافلية، بهذه الطريقة فإن البرامج الحرة تكون أمنة اكثر من الاختراق و أن الأخطاء فيها تعدل بسرعة، بينما البرمجيات التجارية و الغير حرة تتطلب وقتاً ليس بالقصير و أموالاً كثيرة بسبب محدودية المطورين في الشركة المنتجة لتلك البرامج بالإضافة إلى وجود الأمور الروتينية و الإدارية التي تؤخر دائماً من موعد إصدار التحديثات اللازمة و العاجلة لهذه البرامج.

بالإضافة إلى هذا، فأن الكثير من البرامج الحرة تعمل على العديد من المنصات (أجهزة و أنظمة تشغيل)، و السبب في ذلك سهولة نقل مصدرها المفتوح من جهاز إلى آخر أو من نظام تشغيل إلى آخر عن طريق تغيير أمور معينة في شفرتها المتاحة، و كذلك وجود مجتمع من المبرمجين المتطوعين هو أيضاً واحد من أسباب توافر البرامج على منصات كثيرة، بينما بالمقابل نجد أن البرامج المغلقة و غير الحرة متواجدة على عدد منصات أقل بكثير (أحياناً منصة واحدة فقط و نادراً ما تتعدى المنصتين!)، و هذا الأمر أيضاً يعزى إلى موارد الشركات المنتجة لهذه البرامج و محدوديتها، فعملية نقل برنامج من منصة معينة إلى ثانية قد تكلفهم أموالاً طائلة، و في بعض الأحيان نجد أن قسم من هذه الشركات غير جادة في هذا الأمر أو انها قد تقوم -ببساطة- بتجاهل منصات معينة لصالح منصة واحدة فقط بالرغم من وجود طلب لبرامجها على منصات أخرى، مثل إصرار مايكروسوفت على إنتاج برامجها على نظام تشغيلها فقط وبدعم لمعالجات أنتل دون غيرها.

كيف بدأت لينوكس بالثورة؟

كاتب نواة لينوكس لينوس تورفالدز كان طالباً في جامعة هلسنكي، فنلندا عندما أتت له فكرة إنشاء نظام شبيه لليونكس على معالجات أنتل 80368، التي كانت رائجة في الحاسبات الشخصية (PC) آنذاك، كانت دوافع لينوس ذاتية بسبب احتياجه لنظام متوافق مع يونكس لكي يستطيع إكمال عمله الجامعي على حاسبته الشخصية في بيته بدلاً من قضاء وقتاً طويلاً على أجهزة الجامعة العملاقة (Mainframes)، و لأنه لم يكن هناك نظام حر شبيه لليونكس وقتها، فقد قرر لينوس أن يجعل نظامه حراً لكي يستفيد جميع الراغبين -بمثل هذا النظام- منه.

بدأ لينوس عام 1991 بالبداية في برمجة نواة لينوكس، كان في البداية مجرد محطة طرفية (terminal) لكي يستطيع لينوس الاتصال بخوادم جامعته، و استمر بتطويره إلى أن وجد نفسه بعد مدة قصيرة قد قام بكتابة نواة نظام، فأرسل رسالة إلى مجموعة أخبار نظام مينيكس (MINIX) أصبحت فيما بعد واحدة من الوثائق التاريخية المهمة معلناً عن نواة نظامه للراغبين بالحصول عليها و طالباً إبداء آراءهم و مقترحاتهم عليها، لاقت هذه النواة إقبالاً غير مسبوق من قبل المطورين و المبرمجين المتحمسين لفكرة هذا النظام على الرغم من أنه كان في بداية تطويره، أخذ المطورون بإضافة برامج حرة أخرى على نواة لينوكس كي تجعلها نظاماً متكاملاً يمكن العمل فيه مثل مفسر سطر الأوامر و مترجم لغة سي، و جلها كانت برمجيات من مشروع جنو الذي كان يفتقر لنواة يرتكز عليها، لذلك يرى البعض أن من الأفضل تسمية هذا النظام جنو\لينوكس (GNU/Linux) بدلاً من لينوكس فقط نظراً لاعتماده الكبير على برامج هذا المشروع.

بدأت النواة منذ ذلك الحين بالتطور و التوسع لكي تكون مع برامج جنو و غيرها نظاماً ناضجاً ومتكاملاً يمكن العمل به و الاعتماد عليه، بلغ عدد العاملين على النواة وحدها من متطوعين و مبرمجين ومطورين بالآلاف، يعملون على تطويرها و تحسينها بصورة تعاونية و تكافلية مما أدى إلى نجاح و انتشار النظام بصورة واضحة، و من الجدير بالذكر أن صاحب نظام مينيكس البروفيسور اندرو تانينباوم ناقش لينوس ذاكراً أن نظام لينوكس “قديم” و “لن ينجح” و “سوف يفشل” من الناحية التقنية أثناء مشادتهم المعروفة عام 1992، و لكن نجاحه في سوق الخوادم و الأجهزة العملاقة برهن عكس هذه النظرية التشاؤمية جملةً و تفصيلاً.

حالياً أصبحت أنظمة جنو\لينوكس منافسة قوية في سوق المعلوماتية مع أبل ماكنتوش ومايكروسوفت ويندوز، و تدعمها الكثير من الشركات التجارية المرموقة مثل صن مايكروسيستمز و IBM بسبب تطورها و أهميتها في مجالات الحوسبة، و توسع استخدامها من أجهزة الهاتف الخلوي إلى الحاسبات الخارقة (super computers)، بالإضافة إلى تبني عدد من حكومات دول العالم لاستعمالها مثل الصين و فرنسا و ألمانيا و غيرها من الدول، و في دراسة أعدت مؤخراً، أشارت أن واحدة من توزيعات هذا النظام تحتوي على أكثر من 283 مليون سطر في الشفرة المصدرية لها، و تقدر تكاليف إعادة تطوير مثل هذا نظام حوالي 5.4 بليون يورو، بلغ عدد مستخدمي نظام جنو\لينوكس في العالم حسب إحصائية أعدت قبل أعوام قليلة بأكثر من 150 مليون مستخدم، و السبب في ذلك ثباته و كفاءته في نواحٍ كثيرة من قطاع التكنولوجيا و بالأخص مجال خوادم الإنترنت و قواعد البيانات و استضافة المواقع.

ماذا تعني توزيعة بالضبط؟

كما أسلفنا أعلاه، أن نظام جنو\لينوكس عبارة عن نواة وضعت عليها أدوات جنو لكي تعمل سوية كنظام واحد متكامل، عند إضافة برامج معينة أخرى (مثل برامج أنترنت أو واجهات رسومية) و تخصيصها بالإضافة إلى التعديل على النظام نفسه من أجل خلق بيئة تقوم بوظيفة ما تسمى هذه التشكيلة بـ”توزيعة”، و هذا ما نعنيه بالضبط على توزيعة جنو\لينوكس، هناك مئات من التوزيعات ألتي تحدث وتطور باستمرار، عادة ما تحتوي على تشكيلات ضخمة من البرامج و تختلف طبيعة هذه البرامج حسب العمل أو الوظيفة المراد من التوزيعة القيام بها، و يعزى هذا التنوع الهائل بالتوزيعات إلى استخدام البرمجيات الحرة فيها و من ضمنها نواة لينوكس و أدوات جنو بالطبع.

قبل ظهور التوزيعات، كان على الشخص الذي يريد استخدام نواة لينوكس أن يكون ملماً بنظام يونكس لكي يعرف و يحدد ما هي المكتبات البرمجية و الملفات التنفيذية اللازمة لإقلاع و تشغيل النظام بالإضافة إلى وجوب معرفته لتفاصيل مهمة حول اعدادات النظام، لكن التوزيعات بدأت بالظهور و الإنتشار بعد ذلك حالما وصلت النواة إلى مستخدمين خارج مجموعة مبرمجي لينوكس، و كانوا هؤلاء المستخدمون مهتمون أكثر ببناء نظام تشغيل متكامل بدلاً من تطوير نواة فقط أو أجزاء معينة أخرى، سلاكوير (Slackware) تعتبر من أوائل التوزيعات القديمة التي ما زالت على قيد الإستخدام و تحت تطوير مستمر، وتتسم هذه التوزيعة بارتباطها الوثيق بأنظمة يونكس و صعوبة أستخدامها من قبل المبتدئين و اعتمادها الكبير على سطر الأوامر (لكن بالإمكان تنصيب واجهة رسومية له)، لذلك يصر بعض المتعصبين لسطر الأوامر على استخدامه و اعتبار باقي التوزيعات سيئة أو غير جيدة.

و من التوزيعات المشهورة توزيعة ريد هات لينوكس (Red Hat Linux)، و التي كانت مجانية في البداية لكنها أصبحت ذات طابع تجاري بعد نجاحها الكبير و موجه للمؤسسات و الاستخدامات المتقدمة، مع ذلك قامت الشركة المنتجة لهذه التوزيعة (تحمل نفس اسم توزيعتها) بدعم و رعاية مشروع منبثق من توزيعتها باسم فيدورا (Fedora)، هذه التوزيعة حرة و مجانية و متوافقة مع ريد هات، تتسم بسهولة استخدامها من قبل المستخدمين العاديين و تنبثق منها العديد من التوزيعات، تستخدم هذه التوزيعة نظام إدارة حزم ريد هات (Red Hat Package Manager) و لديها مستودع ضخم من الحزم (برمجيات) التي تتوافق معها بالكامل.

و هناك توزيعة ضخمة أخرى تعهدت للمجتمع بتقديم نظام يحتوي برمجيات حرة بالكامل سميت بديبيان (Debian)، و هذه التوزيعة لها نظام إدارة حزم متطور خاص بها و معروفة باسمها و تمتلك مستودعاً هائلاً يحتوي على أكثر من 25 ألف حزمة تتنوع بوظائفها و عملها، لكن هذه التوزيعة تعد صعبة الاستخدام نوعاً ما، لذلك لا تعد إختيار مناسب للمستخدمين الجدد و المبتدئين، لكن عدداً من مطوري توزيعة ديبيان قاموا بعمل توزيعة منبثقة منها و سميت أوبنتو (Ubuntu)، تحتوي هذه التوزيعة على جميع مزايا الثبات و الأمان في توزيعة ديبيان بالإضافة إلى سهولة تنصيبها و استخدامها على الأجهزة الشخصية و وجود تحسينات كثيرة فيها، و تأتي على شكل قرص حي (Live CD)، و هذا يعني أنه من الممكن عدم تنصيب التوزيعة على القرص الصلب في الجهاز و إنما تشغيله من القرص المدمج، لذلك يمكن للكثيرين تجربته و الإطلاع عليه قبل أن يقرروا تثبيته على أجهزتهم، و بهذا أصبحت أوبنتو أكثر توزيعة جنو\لينوكس إنتشاراً على الحاسبات الشخصية.

نموذج تجاري جديد بالكامل

قد يتساءل الأشخاص غير الملمين بفلسفة و ثقافة المصادر المفتوحة و البرمجيات الحرة عن المردود المادي الذي يعود على الشركات و الجهات ألتي تدعم هذه الحركات “الثورية” في سوق المعلوماتية المليء بالتنافس و الإحتكار التجاريين، ظانين أنه لا يوجد أي مردود مالي لهم من عملهم على برمجيات مفتوحة المصدر و متاحة لكل الناس في أي وقت و مكان، مشككين بذلك بدوافعهم و أحياناً يتهمونهم بأنهم “شيوعيون و ماركسيون!”، هذا الجهل الحاصل عند المجتمع هو نتيجة ظن البعض أن نوعية و جودة برامج الحاسوب تحدد حسب قيمتها المادية و سعر شرائها، و هذا غير صحيح ألبتة.

بالرغم من شعبية البرمجيات غير الحرة الواسعة و ازدهار شركات البرمجيات التجارية أثناء ثمانينات القرن المنصرم، لم يمنع ذلك من ظهور أول شركة تقوم بتسويق البرمجيات الحرة و هي سيجنوس (Cygnus) عام 1989، و كان عملها الرئيسي تقديم الخدمات التجارية لمستخدمي البرمجيات الحرة الراغبين بالحصول على الدعم و التوجيه الفني، و استمر موظفو هذه الشركة بتطوير العديد من أدوات مشروع جنو من ضمنها مصحح أخطاء جنو (GNU Debugger) و ملحقات جنو الثنائية (GNU Binutils)، و كذلك طوروا برنامج سيجوين (Cygwin) ألذي يقوم بتوفير بيئة متوافقة لبرامج يونكس تحت نظام مايكروسوفت ويندوز (هذا البرنامج حر أيضاً)، وفي عام 1999 قامت شركة ريد هات بضم هذه الشركة معها، لذلك يمكننا ملاحظة أن هذه الشركة بالرغم من أنها تجارية و لها وارد مالي، لكنها مستفيدة و معتمدة على البرامج الحرة بصورة أساسية و تامة، و في نفس الوقت تقوم بتطوير تلك البرامج مطبقة بذلك معيار تجاري جديد يتمثل بالتكافل و رد الجميل للمجتمع عامةَ.

هذه الشركة واحدة من الأمثلة الكثيرة على الشركات المعتمدة على البرمجيات الحرة و المفتوحة المصدر، لاحظنا أنه بالإمكان الإستفادة من هذه البرمجيات مادياً و مالياً بالرغم من وجودها و إتاحتها على الإنترنت، و هذا عن طريق تقديم الخدمات التجارية و الدعم الفني للمؤسسات و الشركات الراغبة بهذه العروض، و من هذه الخدمات تتضمن تخصيص برامج و جعلها ملائمة لغرض القيام بأمور معينة، أو إضافة مميزات و أمور ثانوية، و كذلك تقديم النصائح و الإستشارة التقنية، و من الجدير بالذكر هنا أن الكثير من المنظمات و المشاريع المهتمة بالبرمجيات الحرة تأتي أموالها على شكل دعم حكومي أو مؤسساتي لها وأحياناً عن طريق التبرعات و الأعمال الخيرية.

لذلك نرى أن أغلب الناس المتعلقين بالنماذج التجارية التقليدية السائدة منذ زمن في سوق البرمجيات و المعلوماتية مستغربون من هذه الفلسفة التي قد تصنف ضمن الفكر الإشتراكي الواقف ضد الرأسمالية (بالرغم من إعتراض قسم من الأشخاص على وصف الإشتراكية قائلين بأن فكر البرمجيات الحرة هو فكر اجتماعي)، ببساطة مطلقة إن النموذج التجاري للبرمجيات الحرة هو مناقض تماماً لأفكار شركات البرمجيات التقليدية مثل مايكروسوفت، و ذلك لأن تلك الشركات تسعى لأسلوب احتكاري تسود فيه المنافسة و الربح على حساب خدمة المجتمع و تقديم منتوج ذو نوعية عالية المستوى، فضلاً عن عدم تقديمها شيئاً للمجتمع بالمقابل، لهذا السبب نرى أن الشركات الاحتكارية تسعى دوماً لتضليل الناس بصورة عامة و تحاول تشويه الحقائق و التقليل من أهمية البرمجيات الحرة و المفتوحة المصدر، واصفةً إياها بالبرامج “البدائية” و ناعتةً أفراد مجتمعها بـ”المبتدئين” و “الهواة”، لكن من ما لا شك فيه أن البرمجيات الحرة قد وصلت مرحلة من النضج و التطور بحيث استطاعت بذلك هز عروش الشركات الإحتكارية الإمبراطورية بقوة و تهديدها في الأسواق.

مثال على لينوكس في الأجهزة المكتبية

تكلمنا أعلاه عن توزيعات لينوكس و ذكرنا سهولة استخدام توزيعة أوبنتو و سوف نتطرق لها هنا بشيءٍ من التفصيل و الإسهاب لفائدتها في الاستخدامات المنزلية و المكتبية العامة و انتشارها الواسع كونها أكثر توزيعة لينوكس استخداماً بين المستخدمين المبتدئين، أوبنتو يأتي على قرص مدمج و بإمكان المستخدم الإقلاع منه و تشغيل النظام بالكامل بدون تثبيته على القرص الصلب لكن ليس من الممكن تثبيت برامج إضافية عليه أو حفظ أية إعدادات عليها لأن القرص للقراءة فقط دون الكتابة، تأتي هذه التوزيعة مع واجهة رسومية تدعى (GNOME)، و تمتاز بسهولة استخدامها و وجود الكثير من البرامج التي تشتغل معها بسلاسة و ثبات متناهيتين.

تعد التوزيعة هذه مستقرة للغاية و على درجة كبيرة من الأمان و ذلك لأنها مبنية على توزيعة ديبيان العريقة التي ذكرناها سابقاً، و تمت إضافة العديد من الأدوات التي تسهل الأمر على مستخدمي لينوكس الجدد عند استخدامهم لها، و كذلك تمتاز بسهولة تغيير إعداداتها و لديها مجتمع فعال يمكن من خلاله الحصول على الدعم و الأجوبة بسهولة عند الضرورة، و بالإمكان تثبيت البرامج عليها بسهولة و سرعة فائقتين، و من الجدير بالذكر هنا أن اسم هذه التوزيعة تعني الإيمان بالمشاركة و التواصل بين البشر في لغة الزولو في جنوب أفريقيا، و هذا ما يهدف إليه مطورو التوزيعة في فلسفتهم.

تحتوي التوزيعة على عدة برامج تأتي معها مثبتة و جاهزة للاستخدام مباشرةً بعد إقلاع النظام، من ضمنها مجموعة برامج مكتبية (OpenOffice.org) التي تعتبر المنافسة الحرة الأقوى مع مايكروسوفت أوفس و متوافقة مع ملفاتها، و تتضمن محرر نصوص متطور و برنامج إنشاء عروض تقديمية و برنامج جداول بيانات و برنامج إدارة قواعد معلومات بالإضافة إلى برنامج رسوم بسيط، كذلك هناك المزيد من البرامج مثل برنامج التحرير و التلاعب بالصور جيمب (GIMP) و الذي من الممكن اعتباره بديلاً مناسباً لأدوبي فوتوشوب (Adobe Photoshop)، و كذلك قاموس إنكليزي – إنكليزي و آلة حاسبة و مفكرة ملاحظات و غيرها من البرامج الملحقة و المفيدة.

و هذا ليس كل ذلك، إذ تشتمل التوزيعة أيضاً على برامج إنترنت مثل متصفح موزيلا فايرفوكس (Mozilla Firefox)، و محرر بريد ألكتروني، و مرسال بجن (Pidgin Instant Messenger)، الذي يدعم عدة بروتوكولات مثل جوجل توك و ياهو!، و برنامج تورينت، و هناك أيضاً عدة برامج لتشغيل الوسائط المتعددة مثل مشغل الصوتيات و مشغل الفيديو، و يوجد مع التوزيعة برنامج حارق اسطوانات كفء ومتميز، من المهم الإشارة إلى أن التوزيعة هذه سهلة التثبيت جداً حيث تأخذ مدة قليلة من الزمن و خلال خطوات قليلة و واضحة، تحتوي على نظام تحديث حزم مستمد من توزيعة ديبيان، حيث بالإمكان تحديث وترقية جميع البرامج (و ليس فقط النظام وحده) بضغطة زر واحدة، و كذلك بالإمكان الدخول إلى أجهزة ويندوز الموجودة على الشبكة عن طريق بروتوكول سامبا (SMB)، و دخول أقسام القرص الصلب الخاصة بنظام ويندوز من نوع NTFS و FAT32، و عند رغبة المستخدم إضافة برامج جديدة فهناك أداة تمكنه من البحث في مستودع حزم أوبنتو و تحميل و تثبيت البرنامج المراد.

مثال على لينوكس في المؤسسات

سنتطرق هنا عن مثال أو نموذج لنظام جنو\لينوكس في مجال الأعمال التجارية و المؤسساتية الكبيرة، و مثلما فعلنا قبل قليل في أجهزة سطوح المكتب، سنأخذ توزيعة تعد من أكثر التوزيعات رواجاً ونجاحاً في قطاع الأعمال إلا و هي ريد هات إنتربرايس لينوكس (Red Hat Enterprise Linux)، و هي تنتج من قبل شركة ريد هات و كانت تحمل اسم ريد هات لينوكس قبل أن تصبح غير مجانية، وقتها كانت الشركة تعتمد على استراتيجية إتاحة التوزيعة مجاناً للجميع مع شفرتها المصدرية، و تقديم خدمات الدعم الفني و غيرها من العروض للشركات و المؤسسات، بعدها قامت ببيع نسخة توزيعتها مع تقديم الدعم الفني في نفس الوقت، و قامت بدعم توزيعة فيدورا المنبثقة منها و جعلها بيئة أختبار لها، هذا لا يعني أن التوزيعة أصبحت غير حرة أو مفتوحة، فالشفرة المصدرية ما زالت مفتوحة و موجودة على موقع الشركة و بإمكان أي شخص أخذه و استخدامه، لذلك انبثقت منها توزيعة سينت أو أس (CentOS) التي ترجع شفرتها المصدرية بالكامل لريد هات إنتربرايس لينوكس و متاحة مجاناً للجميع.

تستخدم هذه التوزيعة من أجهزة سطح المكتب المتطورة و تمتد إلى خوادم الويب و الأجهزة الضخمة، تقوم هذه التوزيعة بمهام كبيرة و معقدة تختلف حسب المجال المستخدمة فيه و لذلك يجب أن تكون على قدر كبير من الكفاءة و الدقة و السرعة، من ضمن هذه المهام إستضافة مواقع إنترنت وقواعد بيانات أو توزيع خدمة إنترنت على عدد من المستخدمين المشتركين، و من الوظائف المهمة التي بدأ الطلب عليها يزداد بشدة هي استخدام الإفتراضية (virtualization) و التي تعني استضافة عدة أنظمة تشغيل افتراضية (مستضافة) على نظام تشغيل واحد (مستضيف) داخل جهاز واحد، و أيضاً تستخدم في مجال الحوسبة العنقودية أو التجميعية (clustering) و هذه التقنية تعني استخدام مجموعة من الحاسبات مربوطة فيما بينها لكي تعمل و كأنها جهاز واحد فقط، و هذه تقنية متطورة تستخدم في مجالات متقدمة من ضمنها مجال بحوث الفضاء و مجالات طبية معينة.

لذلك نجد شركة ريد هات قد حرصت في هذه التوزيعة على زيادة عوامل الأمن و الحماية وتجهيزها بجدار ناري متطور (firewall)، و لزيادة صعوبة اختراق النظام و تقليل الخطورة من ذلك بصورة كبيرة قاموا بإضافة مزايا لينوكس الأمنية المحسنة (SELinux) المطورة من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكية (National Security Agency)، و قامت بإضافة عدة برامج متخصصة بإدارة أجزاء معينة بالنظام مثل نظام الصلاحيات و خادم الويب أباشي (Apache) و أعدادات الشبكة و غيرها كثير، نلاحظ هنا أن كثيراً من الأمور الموجودة في توزيعة أوبنتو غير موجودة في هذه التوزيعة، و السبب في ذلك يعود لأن هدفها ليس أن تكون توزيعة جهاز مكتبي تسهل الأمور على مستخدمها المبتدئ و تحوي على كل ما يحتاجه من برمجيات ضرورية تساعده على إتمام عمله اليومي، و إنما صممت لكي تقوم بمهام متقدمة و على درجة من الضرورة و لا تتحمل أدنى درجة من الخطأ، لذلك نرى أن كثيراً من البرمجيات الموجودة في أوبنتو غير موجودة هنا عند تثبيتها بالرغم من أنه بالإمكان تثبيتها و استخدامها فيما بعد.

بالإضافة إلى خدمات الدعم الفني المتواصلة على مدى ساعات اليوم و أيام الأسبوع التي تقدمها شركة ريد هات لزبائنها و عملائها، فأنها تقوم بدورات تدريبية للراغبين بالتعلم على إدارة أنظمة ريد هات و كوادر الشركات التي تستخدم برامجهم، و تقدم لهم اختبارات متقدمة و شهادات معترف بها عالمياً منهاRCHT و RHCE، و من الجدير بالذكر أن شركة ريد هات تعد من أكبر الشركات التجارية التي تعتمد على نظام لينوكس و البرامج الحرة بصورة عامة في عملها.

إستنتاجات

في الخاتمة أود أن أطرح خلاصة لما تم ذكره و طرح عدد من الإستنتاجات المستنبطة هنا، فلقد رأينا كيف كان مجتمع الحوسبة في منتصف القرن الماضي يتميز بطابع الحرية السائد آنذاك، و كيف تغير الوضع نتيجة الإستغلال و الجشع التجاري المتناميين و المتزايدين خلال فترة ظهور الحاسبات الشخصية، وبالرغم من هذا فأن هناك العديد من المفكرين و المثقفين في مجال التقنية ناهضوا هذه الاستغلالية وحاربوا كل ما يقيد حريتهم الشخصية.

بعد ذلك اطلعنا على كيفية تغلب البرامج المفتوحة المصدر على البرامج المغلقة و الغير حرة، وتكلمنا عن قيمتها التقنية و الاجتماعية التي تفتقر إليها البرمجيات التجارية بصورة شاملة، و عن الظروف التي صاحبت ظهور مشروع جنو و بعدها تطوير نواة لينوكس و تميزها ثورياً عن باقي أنظمة التشغيل، وشرحنا ما هو معنى توزيعة و ممَّ تتكون، و ذكرنا أشهر ثلاثة عوائل من توزيعات جنو\لينوكس، ثم بعد ذلك أخذنا نموذجين من هذه التوزيعات، أحدهم مستخدم في الأجهزة الشخصية و الآخر في مجالات السوق والأعمال و المؤسسات.

بالطبع لا يسعنا هنا التكلم عن تاريخ البرمجيات المفتوحة والحرة كلها و عن أحداثها بصورة كاملة و لا عن لينوكس أيضاً وكذلك لم نتكلم عن كثير من التوزيعات المشهورة و الناجحة، لأن كل موضوع منهم له الكثير من الكتب المؤلفة عليه، لكننا عمدنا إلى إعطاء لمحة و مقدمة موجزة للقارئ حتى يستطيع بدء فهم هذه الحركة و استيعابها و دفعه للاستمرار و الإطلاع على الأمور المطروحة هنا.

أرجو أن أكون قد وفقت في تقديم صورة واضحة عن الموضوع و إعطاء فرصة للمهتمين الجدد بالبرمجيات الحرة لاستكشافها و الغوص و السبر و في بحور هذه الفلسفة لما فيها الفائدة للمجتمع و المستخدم بصورة عامة.

المراجع

هذه المقالة من كتابة خالد يوسف
جميع الحقوق محفوظة تحت بنود رخصة جنو للوثائق الحرة (GNU FDL)
2009/03/04


في عالم بلا حواجز، ما الحاجة للنوافذ؟ و ما الحاجة للأبواب!
In a world without walls, Who needs Windows? And who needs Gates!



Dr. Radut | book